محمد سعيد رمضان البوطي
78
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
والجواب : أن أول صفة للإنسان في الدنيا ، أنه مكلف ، أي أنه مطالب من قبل اللّه عز وجل بحمل ما فيه كلفة ومشقة . وأمر الدعوة إلى الإسلام والجهاد لإعلاء كلمته من أهم متعلقات التكليف ، والتكليف من أهم مستلزمات العبودية للّه تعالى ، إذ لا معنى للعبودية للّه تعالى إن لم يكن ثمة تكليف . وعبودية الإنسان للّه عز وجل ضرورة من ضرورات ألوهيته سبحانه وتعالى . فلا معنى للإيمان بها إن لم ندرك عبوديتنا له . فقد استلزمت العبودية - إذن - التكليف ، واستلزم التكليف تحمل المشاق ومجاهدة النفس والأهواء . ومن أجل هذا كان واجب عباد اللّه في هذه الدنيا تحقيق أمرين اثنين : أولهما : التمسك بالإسلام وإقامة المجتمع الإسلامي الصحيح . ثانيهما : سلوك السبل الشاقة إليه واقتحام المخاطر وبذل المهج والمال من أجل تحقيق ذلك . أي إن اللّه عز وجل كلفنا بالإيمان بالغاية ، وكلفنا إلى جانب ذلك بسلوك الوسيلة الشاقة الطويلة إلى هذه الغاية مهما بلغت المسألة في خطورتها وصعوبتها . ولو شاء اللّه لجعل السبيل إلى إقامة المجتمع الإسلامي بعد الإيمان به ، سهلا معبّدا ، ولكن السير في هذه السبيل لا يدل حينئذ على شيء من عبودية السالك للّه عز وجل وعلى أنه قد باع حياته وماله له عز وجل يوم أن أعلن الإيمان به ، وعلى أن جميع أهوائه تابعة ومنقادة لما جاء به الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ، ولأمكن حينئذ أن يلتقي على هذه الجادة المؤمن والمنافق والصادق والكاذب ، فلا يتمحص الواحد منهم عن الآخر . وإذن فإن ما يلاقيه الدعاة إلى اللّه تعالى والمجاهدون في سبيل إقامة المجتمع الإسلامي ، سنة إلهية في الكون منذ فجر التاريخ تقتضيها حكم ثلاث : أولا : صفة العبودية الملازمة للإنسان ، للّه عز وجل ، وصدق اللّه إذ يقول : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [ الذاريات 51 / 56 ] . ثانيا : صفة التكليف المتفرعة عن صفة العبودية ، فما من رجل أو امرأة يبلغ أحدهما ، عاقلا ، سن الرشد ، إلا وهو مكلف من قبل اللّه عز وجل بتحقيق شرعة الإسلام في نفسه وتحقيق النظام الإسلامي في مجتمعه ، على أن يتحمل في سبيل ذلك كثيرا من الشدة والأذى ، حتى يتحقق معنى التكليف . ثالثا : إظهار صدق الصادقين وكذب الكاذبين . فلو ترك الناس لدعوى الإسلام ومحبة اللّه تعالى على ألسنتهم فقط ، لاستوى الصادق والكاذب . ولكن الفتنة والابتلاء ، هما الميزان الذي يميز الصادق عن الكاذب . وصدق اللّه القائل في محكم كتابه :